كريم نجيب الأغر
52
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
قال تعالى : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [ النساء : 166 ] . قال ابن كثير في تفسير هذه الآية « 1 » : « أنزله بعلمه ، أي : فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان ، وما يحبه اللّه ويرضاه وما يكرهه ويأباه ، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل » . وهكذا يسطع نور الوحي المنزل على سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بيّنا ، بما نزل فيه من علم إلهي يدركه الناس في كل زمان ومكان متجددا على مر العصور ، ولم يتأتّ ذلك لسائر النبيين - عليهم السلام - ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إليّ ، فأرجو أنّي أكثرهم تابعا يوم القيامة » [ أخرجه البخاري ح 10 ] . وفي القرآن توجد إشارات كثيرة إلى كشوفات علمية سيرفع عنها اللثام في المستقبل ، وسوف تبقى ظاهرة متجددة إلى قيام الساعة ، وهذه الأنباء موجودة في القرآن ، ولكن حقائقها وكيفياتها لا تتجلى إلا بعد حين ، قال اللّه تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 87 ) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ( 88 ) [ ص : 87 - 88 ] . قال الفرّاء - من علماء اللغة - في تفسير الحين : إنه « بعد الموت وقبله . . أي في المستأنف » « 2 » . وذهب السّدّي الكبير - من التابعين - إلى هذا المعنى « 3 » . وقال ابن جرير الطبري في تفسيره : « إن اللّه أعلم المشركين المكذبين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين من غير حد منه لذلك الحين بحدّ . . . ولا حدّ عند العرب للحين » « 4 » . وشاء اللّه أن يجعل لكل نبأ زمنا خاصا يتحقق فيه هذا النبأ ، فإذا تجلى الحدث ماثلا للعيان أشرقت تلك المعاني التي تدلّ عليها الحروف والألفاظ في القرآن ، وفي هذا الباب قوله تعالى : لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [ الأنعام : 67 ] . ويبقى النبأ الإلهي محيطا بكل الصور التي يتجدد ظهورها عبر القرون ، قال ابن
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير - ( ج 1 / ص 589 ) . ( 2 ) تفسير القرطبي - ( ج 15 / ص 231 ) . ( 3 ) البحر المحيط لأبي حيان - ( ج 7 / ص 411 ) . ( 4 ) تفسير الطبري - ( ج 23 / ص 121 ) .